الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

104

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأنفال [ 2 ] . والاستفهام إنكار . والغلب حقيقته : الاستيلاء والقهر . وأطلق هنا على التلبس بالشقوة دون التلبس بالسعادة . ومفعول غَلَبَتْ محذوف يدل عليه شِقْوَتُنا لأن الشقوة تقابلها السعادة ، أي غلبت شقوتنا السعادة . والمجرور ب ( على ) بعد مادة الغلب هو الشيء المتغالب عليه كما في الحديث « قال النساء : غلبنا عليك الرجال » . مثّلت حالة اختيارهم لأسباب الشقوة بدل أسباب السعادة بحالة غائرة بين السعادة والشقاوة على نفوسهم . وإضافة الشقوة إلى ضميرهم لاختصاصها بهم حين صارت غالبة عليهم . والشّقوة بكسر الشين وسكون القاف في قراءة الجمهور . وهي زنة الهيئة من الشقاء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف شقاوتنا بفتح الشين وبألف بعد القاف وهو مصدر على صيغة الفعالة مثل الجزالة والسذاجة . وزيادة قوله قَوْماً على أن الضلالة من شيمتهم وبها قوام قوميتهم كما تقدم عند قوله لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سورة البقرة [ 164 ] وعند قوله وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ في آخر سورة يونس [ 101 ] . وهم ظنوا أنهم إن أخرجوا من النار رجعوا إلى الإيمان والعمل الصالح فالتزموا للّه بأنهم لا يعودون إلى الكفر والتكذيب . وحذف متعلق عُدْنا لظهوره من المقام إذ كان إلقاؤهم في النار لأجل الإشراك والتكذيب كما دل عليه قولهم وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ . والظلم في فَإِنَّا ظالِمُونَ هو تجاوز العدل ، والمراد ظلم آخر بعد ظلمهم الأول وهو الذي ينقطع عنده سؤال العفو . [ 108 - 111 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 108 إلى 111 ] قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 ) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 ) اخْسَؤُا زجر وشتم بأنهم خاسئون ، ومعناه عدم استجابة طلبهم . وفعل خسأ من باب منع ومعناه ذل . ونهوا عن خطاب اللّه والمقصود تأييسهم من النجاة مما هم فيه . وجملة إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي إلى آخرها استئناف قصد منه إغاظتهم بمقابلة حالهم يوم العذاب بحال الذين أنعم اللّه عليهم ، وتحسيرهم على ما كانوا يعاملون به